فخر الدين الرازي

526

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

القول الثاني : أنه إشارة إلى كل ما ذكره من أول السورة إلى هاهنا من بيان أموال الأيتام وأحكام الأنكحة وأحوال المواريث وهو قول الأصم ، حجة القول الأول أن الضمير يعود إلى أقرب المذكورات ، وحجة القول الثاني أن عوده إلى الأقرب إذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد مانع يوجب عوده إلى الكل . البحث الثاني : أن المراد بحدود اللّه المقدرات التي ذكرها وبينها ، وحد الشيء طرفه الذي يمتاز به عن غيره ، ومنه حدود الدار ، والقول الدال على حقيقة الشيء يسمى حداً له ، لأن ذلك القول يمنع غيره من الدخول فيه ، وغيره هو كل ما سواه . المسألة الثانية : قال بعضهم : قوله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وقوله : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مختص بمن أطاع أو عصى في هذه التكاليف المذكورة في هذه السورة ، وقال المحققون : بل هو عام يدخل فيه هذا وغيره ، وذلك لأن اللفظ عام فوجب أن يتناول الكل . أقصى ما في الباب ان هذا العام إنما ذكر عقيب تكاليف خاصة ، إلا أن هذا القدر لا يقتضي تخصيص العموم ، ألا ترى أن الوالد قد يقبل على ولده ويوبخه في أمر مخصوص ، ثم يقول : احذر مخالفتي ومعصيتي ويكون مقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور ، فكذا هاهنا واللّه أعلم . المسألة الثالثة : قرأ نافع وابن عامر : ندخله جنات . . . ندخله نارا بالنون في الحرفين ، والباقون بالياء . أما الأول : فعلى طريقة الالتفات كما في قوله : بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ ثم قال : سَنُلْقِي [ آل عمران : 150 - 151 ] بالنون . وأما الثاني : فوجهه ظاهر . المسألة الرابعة : هاهنا سؤال وهو أن قوله : يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ إنما يليق بالواحد ثم قوله بعد / ذلك خالِدِينَ فِيها إنما يليق بالجمع فكيف التوفيق بينهما ؟ الجواب : أن كلمة ( من ) في قوله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ مفرد في اللفظ جمع في المعنى فلهذا صح الوجهان . المسألة الخامسة : انتصب « خالدين » « وخالدا » على الحال من الهاء في « ندخله » والتقدير : ندخله خالدا في النار . المسألة السادسة : قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن فساق أهل الصلاة يبقون مخلدين في النار وذلك لأن قوله : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ إما أن يكون مخصوصا بمن تعدى في الحدود التي سبق ذكرها وهي حدود المواريث ، أو يدخل فيها ذلك وغيره ، وعلى التقديرين يلزم دخول من تعدى في المواريث في هذا الوعيد ، وذلك عام فيمن تعدى وهو من أهل الصلاة أوليس من أهل الصلاة ، فدلت هذه الآية على القطع بالوعيد ، وعلى أن الوعيد مخلد ، ولا يقال : هذا الوعيد مختص بمن تعدى حدود اللّه ، وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر . فإنه هو الذي تعدى جميع حدود اللّه ، فانا نقول : هذا مدفوع من وجهين : الأول : انا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود اللّه خرجت الآية عن الفائدة لأن اللّه تعالى ينهى عن اليهودية والنصرانية والمجوسية ، فتعدى جميع حدوده هو أن يترك جميع هذه النواهي ، وتركها إنما يكون بأن يأتي اليهودية والمجوسية والنصرانية معا وذلك محال ، فثبت أن تعدي جميع حدود اللّه محال فلو كان المراد من الآية ذلك لخرجت الآية عن كونها مفيدة ، فعلمنا ان المراد منه أي حد كان من حدود اللّه . الثاني : هو أن هذه الآية مذكورة عقيب آيات قسمة المواريث ، فيكون المراد من قوله : وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ تعدى حدود اللّه في الأمور